ابن قيم الجوزية

202

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

وما هما ثمّ . ومن هداية الحمار الذي هو من أبلد الحيوان ، أنّ الرجل يسير به ، ويأتي به إلى منزله من البعد ، في ليلة مظلمة ، فيعرف المنزل ، فإذا خلّي جاء إليه ، ويفرق بين الصوت الذي يستوقف به ، والصوت الذي يحثّ به على السير . ومن عجيب أمر الفأر أنها إذا شربت من الزيت الذي في أعلا الجرة ، فنقص ، وعزّ عليها الوصول إليه ، ذهبت وحملت في أفواهها ماء ، وصبّته في الجرة حتى يرتفع الزيت ، فتشربه . والأطباء تزعم أنّ الحقنة أخذت من طائر طويل المنقار ، إذا تعسّر عليه الذرق ، جاء إلى البحر المالح ، وأخذ بمنقاره منه ، واحتقن به ، فيخرج الذرق بسرعة . وهذا الثعلب إذا اشتد به الجوع ، انتفخ ورمى بنفسه في الصحراء ، كأنه جيفة ، فتتداوله الطير ، فلا يظهر حركة ولا نفسا ، فلا تشك أنه ميت ، حتى إذا نقر بمنقاره ، وثب عليها ، فضمّها ضمّة الموت . وهذا ابن عرس والقنفذ ، إذا أكلا الأفاعي والحيات ، عمدا إلى الصعتر « 1 » النهري ، فأكلاه كالترياق لذلك . ومن عجيب أمر الثعلب أنه إذا أصاب القنفذ ، قلبه لظهره لأجل شوكه ، فيجتمع القنفذ حتى يصير كبّة شوك ، فيبول الثعلب على بطنه ما بين مغرز عجبه إلى فكّيه فإذا أصابه البول ، اعتراه الأسر ، فانبسط ، فيسلخه الثعلب من بطنه ، ويأكل مسلوخه .

--> ( 1 ) تحرفت في المطبوع إلى : « الصتر » .